محمد بن جرير الطبري
491
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
من كنت وكلت بالمدينة والخلد برا وبحرا ، والتقدمه إليهم في التحفظ والتيقظ والحراسة والحذر ، ثم انكفأت إلى باب خراسان ، وكنت أعددت حراقات وسفنا ، سوى العدة التي كانت لاركبها بنفسي لوقت ميعادي بيني وبين هرثمة ، فنزلتها في عده ممن كان ركب معي من خاصه ثقاتي وشاكريتى ، وصيرت عده منهم فرسانا ورجاله بين باب خراسان والمشرعه وعلى الشط واقبل هرثمة بن أعين حتى صار بقرب باب خراسان معدا مستعدا ، وقد خاتلنى بالرسالة إلى المخلوع إلى أن يخرج اليه إذا وافى المشرعه ، ليحمله قبل ان اعلم ، أو يبعث إلى بالرداء والسيف والقضيب ، على ما كان فارقني عليه من ذلك فلما وافى خروج المخلوع على من وكلت بباب خراسان ، نهضوا عند طلوعه عليهم ليعرفوا الطابع لأمري كان أتاهم ، وتقدمى إليهم الا يدعو أحدا يجوزهم الا بأمري فبادرهم نحو المشرعه ، وقرب هرثمة اليه الحراقة ، فسبق الناكث أصحابي إليها ، وتأخر كوثر ، فظفر به قريش مولاي ، ومعه الرداء والقضيب والسيف ، فأخذه وما معه ، فنفر أصحاب المخلوع عندما رأوا من اراده أصحابي منع مخلوعهم من الخروج ، فبادر بعضهم حراقه هرثمة ، فتكفأت بهم حتى أغرقت في الماء ورسبت ، فانصرف بعضهم إلى المدينة ، ورمى المخلوع عند ذلك بنفسه من الحراقة في دجلة متخلصا إلى الشط ، نادما على ما كان من خروجه ، ناقضا للعهد ، داعيا بشعاره ، فابتدره عده من أوليائي الذين كنت وكلتهم بما بين مشرعه باب خراسان وركن الصراة ، فاخذوه عنوه قهرا بلا عهد ولا عقد ، فدعا بشعاره ، وعاد في نكثه ، فعرض عليهم مائه حبه ، ذكر ان قيمه كل حبه مائه ألف درهم ، فأبوا الا الوفاء لخليفتهم أبقاه الله ، وصيانة لدينهم ، وإيثارا للحق الواجب عليهم ، فتعلقوا به ، قد أسلمه الله وافرده ، كل يرغبه ، ويريد ان يفوز بالحظوه عندي دون صاحبه ، حتى اضطربوا فيما بينهم ، وتناولوه